الشيخ علي المشكيني
68
رسائل قرآنى
لَا يَعْقِلُونَ « 1 » ينافي ما ذكرت من الاختيار ؛ فإنّ ظاهره يعطى أنّ إيمان كلّ أحد متوقّف على إذن اللَّه ، فالمؤمن إنّما أمن لأنّ اللَّه قد أذن له في الإيمان ، والكافر إنّما كفر لأنّه تعالى لم يأذن له بل جعل الرجس عليه ومنعه عن الإيمان . قلت : ينبغي أن يقال : إنّ المراد هنا الإذن التكويني ، وهو تهيئة مقدّمات الشيء ، فإنّ بهذا النحو من الإذن قد أذن اللَّه للشجر أن يثمر ، وللنبات أن ينمو ، فتوجيه أسباب التوفيق ومقدّمات الإيمان نحو العبد إذن له في إيمانه . وهذه لا ينافي الاختيار ، كما أنّ مقدّمات طغيان العبد وغفلاته ليشتغل بذلك ويعتاد باللذّات وينغمر في رذائل الصفات ومنكرات الأعمال تركٌ للإذن ومنع عن الإيمان بهذا المعنى ، ولا يكون ذلك إلّابعد إتمام الحجّة عليه ، وتحقّق العناد والإنكار منه ؛ فالرجس في الآية عبارة عن رذائل الأخلاق وجهل الناس وعنادهم عن التفكّر والتوجّه نحو مرضات اللَّه . وقال تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ « 2 » ، أيلو شاء مشيئة حتميّة لجعلكم جميعاً مؤمنين بلا اختيار منكم ، ولكن لم يشأ ذلك ، بل وكّلكم إلى اختياركم ليمتحنكم فيما آتاكم من النعم الدنيويّة والدين والشريعة . وقال : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ « 3 » . وقال : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَاأَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً « 4 » . وقال : قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ « 5 » . وقال : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ « 6 » . وقال : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ « 7 » .
--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 100 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 48 . ( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 135 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 107 . ( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 149 . ( 6 ) . هود ( 11 ) : 118 - 119 . ( 7 ) . النحل ( 16 ) : 6 .